محمود الكازروني ( قطب الدين محمود الشيرازي )
271
شرح حكمة الاشراق
معلومات لا حاجة فيها إلى التّعريف ، وإلّا تسلسل إلى غير النّهاية . وإذا انتهى ، تسلسل التّعريفات ، وليس شئ أظهر من المحسوسات حتّى تنتهى إليه ، إذ جميع علومنا منتزعة من المحسوسات ، فهي الفطريّة الّتى لا تعريف لها أصلا . وأمّا أنّ جميع علومنا منتزعة من المحسوسات الجزئيّة الّتى هي الملموسات والمذوقات والمشمومات والمبصرات والمسموعات ، فلأنّ الإنسان في مبدأ أمره خال عن العلوم ، ( 137 ) لكن بواسطة إحساسه بالجزئيّات المذكورة يتنبّه لأمور مشتركة بينها ولأمور بها يخالف بعضها بعضا . وبسبب ذلك تحصل له علوم كلّيّة هي تصوّرات أو تصديقات . ألا ترى أنّه يأخذ المشترك الذّاتىّ بين جملة من الموجودات ويسمّيه جنسا ، والمميّز الذّاتىّ فصلا ، والمركّب منهما نوعا ، والمشترك العرضىّ عرضا عامّا ، والمميّز العرضىّ خاصّة ، وهكذا ينتزع جميع العلوم النّظريّة من المحسوسات الفطريّة ، أي الضّروريّة المستغنية عن التّعريف . وأمّا مثل الوجود الّذى مثّلوا به أنّه مستغن عن التّعريف ، فالتّخبيط فيه أكثر ممّا في المحسوسات ، كما سبق الإشارة إليه ، وله تتمّة نذكرها في الإلهيّات . ولا يقع الخلاف في المحسوسات من حيث إنّها محسوسة أو هي سواد أو صوت أو رائحة ، وإن كان يقع الخلاف في جهات أخرى . ككونها بسيطة أو مركّبة . وعلى تقدير كونها مركّبة هل فيها جعلان : جعل لأجناسها وجعل لفصولها ، أو هما جعل واحد ، إلى غير ذلك ممّا سيأتي الإشارة إليه . فبسائط المحسوسات والمشاهدات بأسرها لا جزء لها ولا شئ أظهر منها ، وبها يعرّف مركّباتها . فحقيقة الصّوت لا تعرف أصلا لمن ليس له حاسّة السّمع ، وكذا الضّوء لمن ليس له حاسّة البصر ، فإنّه بأىّ تعريف عرّف ، لا تحصل له جقيقة ذلك . وهكذا لا يمكن تعريف الطّعوم لمن لا ذوق له ، ولا الرّوائح لمن لا شمّ له ، ولا الكيفيّات الأربع وباقي الملموسات لمن لا لمس له ، وهذا في غاية الوضوح . وليس في محسوسات حاسّة واحدة ما يعرّف به محسوس حاسّة أخرى من حيث